( 20 يناير 2004) ... ما أن تدخل متجراً أو مجمعاً تجارياً، إلاّ وتشاهد المطويات والكتيبات الصغيرة بجميع لغات أهل الأرض تقريباً، ولكن أكثرها بلغات الدول الفقيرة من العالم الثالث. كتيبات تبين كيف أن الإسلام دين الخلاص ودين الرحمة والمودة، وهو أفضل الأديان وهو دين السلام والأخوة والمحبة والصلاح. وكتيبات أخرى بجانبها عن اليهود والنصارى والشيعة وغيرهم من شعوب الأرض تتهمهم فيها بالكفر والفسق والفجور والشرك والزندقة، وتدعو إلى قتالهم وسبي نسائهم وأخذ أموالهم حلالاً لهم. يأتي السؤال عن حكم السلام على النصارى، فيأتيك الجواب حرام السلام على الكفار، مع أن السؤال عن النصارى. ولا ينتهي الجواب هنا، بل يزيد عليه بأن تضيق عليهم في الطريق وأن تحتقرهم وأن تُبدي الكراهية في وجوههم.
تدخل المسجد وترى تلك الكتب الصفراء في كل مكان، وإن قرأت فتاوى المجلس الأعلى للإفتاء فترى بأن السفر لدول "الكفر" حرام ويتم توزيع تلك الكتيبات على المسافرين في قبل ركوب الطائرة، وإن التعلم من علومهم الدنيوية حرام، ولا يجوز السفر إلى بلادهم إلاّ للضرورة القصوى حتى لا يفتنوا المسلمين ويلبسوا عليهم عقيدتهم. ولا يجوز إطلاق كلمة "سيستر" على الممرضة الأجنبية، فهي كافرة، وليست أخت، ولا يجب مودتها. فالكفار نجس وشر وهم يتربصون الفرصة بالمسلمين، وعليه يجب مقاطعتهم وقتالهم حتى يسلموا، أو يدفعوا الجزية. لكن ما أن يمرض أحدهم من العائلة الحاكمة أو مشايخ السلطان إلاّ وتوجه للغرب "الكافر" للعلاج. وإذا أراد أحدهم التنقل استخدم سيارة من صناعة الكفار، ويجلس في فيلا بها من الكماليات كلها من صناعة الغرب، ويركب الطائرة من صناعة الغرب، وحتى الأموال التي يستلمها من السلطان مصنوعة في الغرب، وحتى النفط الذي يبيعه السلطان وينهب ثمنه، فالثمن هو آت من الغرب فهو الذي يشتري النفط ويدفع مقابلاً له مبالغ بالدولار "الكافر".
يُحرم سفر المرأة وحدها، فالسفر فيه خلوة ولو حتى في طائرة بها ما يزيد عن 300 إنسان جالسين على كراسيهم، فهذه خلوة، ولذلك لا تستطيع المرأة السفر إلاّ بإذن ولي أمرها، ولو كان ابنها الذي لم يبلغ الحلم، فهو ولي أمرها. فلا تستطيع فتح حساب في البنك دون إذن ولي الأمر (ربما القصد هنا الملك فهد، فهو ولي أمر الشعب كله) ولا تستطيع التسجيل في الكلية، أو حذف مادة من الجدول، أو ركوب الباص، أو حتى العمل إلاّ بإذن ولي أمرها. حتى لو أرادت الذهاب لمطعم، فهي لا تستطيع الدخول لقسم العائلات وهناك لوحة كبيرة تقول ما معناه "ممنوع دخول النساء بدون محرم".
لكن استقدام مئات الآلاف من الخادمات الأجنبيات، مسلمات وغير مسلمات مقبول، وهنّ يأتين بدون محرم، وليس معهم في رحلتهم الشاقة والطويلة إلاّ الله تعالى يحفظهم بحفظه، لكن القصص كثيرة من اعتداء على أعراضهن وتعذيبهم وحتى قتلهن في بلاد العجائب، وكأن هؤلاء النسوة ليسوا سوى إماء وقد اشترتهم الذئاب البشرية في سوق النخاسة استغلالاً لفقرهن وحاجتهن.
ولأن المرأة لا تستطيع قيادة السيارة، فهذا حرام وفتنة، لكن أباح لها فقهاء السلطان أن تستقدم سائقاً أجنبياً ليوصلها في السيارة معه وحدهما، وهذا مقبول وليس فيه خلل ولا يُعتبر مخالف للدين ولا العادات والتقاليد. فالمرأة أو الفتاة تركب مع السائق إلى السوق وإلى العمل وإلى المدرسة أو إلى أي مكان آخر مما نتج عن ذلك مشاكل أكثر مما يمكن حصرها، والشرطة والمحاكم تعرف ذلك ومنذ زمن.
إن الفرق بين ما يتم الحديث عنه في وسائل الإعلام من نقاء وطهارة المذهب الوهابي، وإنه مذهب السلف الصالح، يقابله واقع مرير جعل الكثير من زوار هذه البلاد يكرهون هذا الوطن وأهله لما فيهم من نفاق واستعلاء واحتقار واستغلال للآخرين، وهذا ربما أحد الأسباب التي أرها خلف عدم إسلام الملايين من البشر التي تعمل عندنا، بل العكس، فالبعض يتظاهر بالتدين لمآرب مادية علماً منه بأنه لو قال غير ذلك لتمت معاقبته أو طرده أو حتى اتهامه بالردة. الدين المعاملة، وليس كتب صفراء توزع هنا وهناك، وأتباع "السلف" أبعد ما يكونون عن التعامل الإنساني مع المسلمين، فكيف بغيرهم من "الكفار والمشركين"؟ لقد أثبتت الأشهر القليلة الماضية أن المذهب الوهابي مذهب حكومي، مذهب السلطان وهو مذهب لا يعترف بوجود الآخر ويحتقر كل من هو ليس على شاكلته، وكأنهم شعب الله المختار، والنتيجة أن العالم بدأ يعي خطر الوهابية على السلم العالمي خاصةً بعد تفجيرات سبتمبر الإرهابية، ونحن بانتظار إعادة الجني إلى قمقمه الذي خرج منه. |